→ رجوع مستجدات التعليم بالمغرب

مؤسسات الريادة بالمغرب: رافعة لتحسين جودة التعلمات أم إصلاح يواجه تحديات التنزيل؟

2026/10/18 · 22 مشاهدة
مؤسسات الريادة بالمغرب: رافعة لتحسين جودة التعلمات أم إصلاح يواجه تحديات التنزيل؟
يشكل إصلاح المنظومة التربوية أحد أبرز الأوراش التي يراهن عليها المغرب لتحقيق التنمية البشرية والاجتماعية، باعتبار التعليم ركيزة أساسية لبناء الإنسان وتأهيل الأجيال الصاعدة لمواجهة تحديات المستقبل. وفي هذا السياق، برز مشروع «مؤسسات الريادة» باعتباره أحد مداخل تجويد المدرسة العمومية، من خلال اعتماد مقاربات تربوية جديدة، وتطوير الممارسات الصفية، والتركيز على التعلمات الأساس، خاصة في مجالات القراءة والكتابة والرياضيات.
ويأتي هذا المشروع في ظل استمرار عدد من الإشكالات التي تواجه المدرسة المغربية، من قبيل التعثرات الدراسية، والهدر المدرسي، والتفاوتات المجالية والاجتماعية في فرص التعلم. ومن ثم، يطرح تنزيل هذا النموذج التربوي مجموعة من التساؤلات حول مدى قدرته على تحسين التحصيل الدراسي، ومدى توفر الشروط البشرية والمادية والتنظيمية الكفيلة بإنجاحه.
فإلى أي حد تستطيع مؤسسات الريادة الإسهام في الرفع من جودة التعلمات وتحقيق الإنصاف التربوي؟ وما أبرز التحديات التي تواجه تنزيل هذا الإصلاح داخل المؤسسات التعليمية المغربية؟
أولاً: مؤسسات الريادة ورهان تحسين جودة التعلمات
تندرج مؤسسات الريادة ضمن مشروع إصلاح المدرسة العمومية الذي أطلقته وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة في إطار خارطة الطريق 2022-2026. ويقوم هذا النموذج على مقاربة متعددة الأبعاد تجعل من التلميذ والأستاذ والمؤسسة التعليمية عناصر أساسية في عملية الإصلاح. كما يعتمد على تطوير الممارسات البيداغوجية، وتكوين الأطر التربوية، وتقويم مكتسبات المتعلمين، وتحسين تدبير المؤسسات التعليمية وتوفير الظروف الملائمة للتعلم.
وتتجلى أهمية هذا المشروع في تركيزه على التعلمات الأساس، ولا سيما القراءة والكتابة والحساب، باعتبارها مدخلاً ضرورياً لاكتساب المعارف والمهارات الأخرى. كما يتيح اعتماد آليات التشخيص والتقويم تحديد التعثرات التي يعاني منها المتعلمون، والعمل على معالجتها من خلال أنشطة الدعم التربوي والاستدراك، بما يساعد على تقليص الفوارق في التحصيل الدراسي.
ومن جهة أخرى، يراهن نموذج الريادة على تطوير كفايات الأستاذ من خلال التكوين والمواكبة، وتشجيعه على اعتماد طرائق تدريس أكثر فعالية، تقوم على إشراك المتعلم في بناء تعلماته، ومراعاة مستواه الفعلي وحاجاته التربوية. فنجاح العملية التعليمية لا يرتبط فقط بالمقررات الدراسية، بل يتوقف أيضاً على جودة الممارسات الصفية وقدرة المدرس على تكييف أنشطته مع الفروق الفردية بين المتعلمين.
وفي هذا الإطار، أشارت الوزارة إلى أن التقييمات المستقلة للمرحلة التجريبية خلال الموسم الدراسي 2023-2024 أظهرت نتائج مشجعة، من بينها تحسن التعلمات وأداء المؤسسات التعليمية، إلى جانب تنشيط الحياة المدرسية وتعزيز انخراط مختلف الفاعلين التربويين. غير أن هذه النتائج تظل مرتبطة بالسياق الذي أُنجزت فيه التقييمات، مما يجعل استمرار التتبع والتقويم ضرورياً للتحقق من استدامة أثر المشروع على المدى المتوسط والبعيد.
ثانياً: تحديات تنزيل مشروع مؤسسات الريادة
على الرغم من الأهداف التي يسعى المشروع إلى تحقيقها، فإن تنزيله داخل المؤسسات التعليمية يطرح مجموعة من التحديات التي ينبغي التعامل معها بواقعية ومسؤولية.
أول هذه التحديات يتمثل في تفاوت الإمكانات المادية والبشرية بين المؤسسات التعليمية، خاصة بين الوسطين الحضري والقروي. إذ قد تعاني بعض المؤسسات من الاكتظاظ، أو نقص التجهيزات والوسائل التعليمية، أو ضعف البنيات التحتية، وهو ما قد يؤثر في إمكانية تطبيق المقاربات التربوية المطلوبة بالشكل نفسه في مختلف السياقات.
أما التحدي الثاني فيرتبط بالتكوين والمواكبة المهنية للأطر التربوية. فنجاح أي إصلاح تربوي لا يتحقق بمجرد تقديم دورات تكوينية أو اعتماد أدلة منهجية، بل يتطلب توفير تكوين مستمر وعملي، ومواكبة ميدانية منتظمة، وإتاحة فرص تبادل التجارب بين الأساتذة. كما يستدعي الأمر إشراك المدرسين في تقييم الإجراءات المعتمدة واقتراح سبل تطويرها، باعتبارهم الفاعلين المباشرين داخل الفصول الدراسية.
ويبرز تحدٍّ آخر يتمثل في ضرورة تحقيق التوازن بين الالتزام بالمنهجية المعتمدة ومراعاة الخصوصيات المحلية. فالمتعلمون لا يتوفرون جميعاً على المستوى نفسه من المكتسبات، كما تختلف المؤسسات من حيث عدد التلاميذ، والموارد المتاحة، والظروف الاجتماعية للأسر. لذلك، فإن التطبيق الفعال للمشروع ينبغي أن يجمع بين احترام التوجهات العامة للإصلاح والمرونة في الاستجابة للحاجات الفعلية للمتعلمين.
إضافة إلى ذلك، يطرح التقويم المستمر تحدياً مهماً، يتمثل في ضمان ألا يتحول إلى مجرد إجراءات إدارية أو مؤشرات رقمية، بل أن يصبح وسيلة فعلية لتحسين التعلمات. فقياس النتائج ينبغي أن يقترن بتحليل أسباب التعثر، وتحديد التدخلات المناسبة، ثم تتبع مدى تأثيرها على مستوى التلاميذ.
وقد أظهرت الأنشطة الرسمية المرتبطة بتتبع المشروع خلال سنة 2026 استمرار الاهتمام بتعزيز الحكامة، وتتبع مؤشرات التعلمات، وتطوير مشروع المؤسسة المندمج، بما يعكس أهمية المواكبة والتنسيق والتقويم في مواصلة تنزيل الإصلاح.

ثالثاً: شروط إنجاح مؤسسات الريادة وتحقيق أثر مستدام
إن تحقيق الأهداف المنشودة من مشروع مؤسسات الريادة يتطلب الانتقال من التركيز على تعميم النموذج إلى التركيز على جودة تنفيذه وأثره الفعلي داخل الفصول الدراسية. ويمكن تحقيق ذلك من خلال مجموعة من التدابير المتكاملة.
أولاً، ينبغي تعزيز الاستثمار في البنيات التحتية والتجهيزات والوسائل التعليمية، مع إعطاء الأولوية للمؤسسات التي تعاني من خصاص واضح، حتى لا تتحول الفوارق المجالية والمادية إلى عائق أمام تكافؤ الفرص.
ثانياً، يتعين توفير تكوين مستمر للأطر التربوية، يرتبط بالممارسة الصفية الفعلية، مع تعزيز دور المفتشين والمواكبين التربويين في تقديم الدعم والتوجيه، وتبادل التجارب الناجحة بين المؤسسات.
ثالثاً، من الضروري اعتماد تقويم منتظم وموضوعي لنتائج المشروع، يقوم على مؤشرات واضحة تقيس تطور مستوى التلاميذ في القراءة والكتابة والرياضيات، ومدى قدرتهم على توظيف مكتسباتهم في وضعيات مختلفة. وينبغي أن تشمل عملية التقويم كذلك جودة الممارسات التدريسية، وظروف التعلم، ومدى استفادة التلاميذ المتعثرين من برامج الدعم.
رابعاً، ينبغي تعزيز التواصل مع الأسر وجمعيات أمهات وآباء وأولياء التلاميذ، لأن تحسين جودة التعلمات مسؤولية مشتركة بين المدرسة والأسرة والمجتمع. فمواكبة الأسرة للمتعلم، والاهتمام بمواظبته، وتشجيعه على القراءة والمراجعة، عوامل يمكن أن تدعم الجهود المبذولة داخل المؤسسة التعليمية.
وأخيراً، يستلزم نجاح المشروع ترسيخ ثقافة التدبير التشاركي داخل المؤسسات التعليمية، من خلال إشراك الإدارة التربوية والأساتذة ومختلف الشركاء في تشخيص الصعوبات، ووضع خطط العمل، وتتبع تنفيذها، وتقييم النتائج. وفي هذا السياق، يكتسي مشروع المؤسسة المندمج أهمية خاصة، باعتباره إطاراً لتنسيق الجهود وتحديد الأولويات وفق الحاجات الحقيقية لكل مؤسسة.


يتضح مما سبق أن مؤسسات الريادة بالمغرب تمثل توجهاً إصلاحياً يروم الارتقاء بجودة التعلمات، وتطوير الممارسات التربوية، وتحسين أداء المؤسسات التعليمية، والحد من التعثر الدراسي. غير أن نجاح هذا النموذج لا يتوقف على الأهداف المعلنة أو الإجراءات التنظيمية وحدها، بل يرتبط بمدى توفر الشروط المادية والبشرية والبيداغوجية اللازمة لتنزيله، وبقدرته على الاستجابة للتنوع الذي يميز المؤسسات والمتعلمين.
وعليه، فإن السؤال المطروح ليس فقط ما إذا كانت مؤسسات الريادة قادرة على تحسين جودة التعلمات، بل أيضاً كيف يمكن ضمان استدامة هذا التحسن وتعميمه بصورة منصفة على مختلف المؤسسات التعليمية. ويتطلب ذلك اعتماد مقاربة شمولية تجعل المتعلم محور الإصلاح، والأستاذ فاعلاً أساسياً فيه، والتقويم أداة للتحسين المستمر، مع توفير الموارد الضرورية وتعزيز المشاركة والتنسيق بين مختلف المتدخلين.
وبذلك، يمكن لمؤسسات الريادة أن تسهم في بناء مدرسة عمومية أكثر جودة وإنصافاً، شريطة أن يتحول الإصلاح من مجموعة من التدابير والإجراءات إلى ممارسة تربوية مستدامة، تنعكس آثارها الملموسة على تعلم التلميذ وعلى فرص نجاحه الدراسي.
تواصل معنا